ملحمة غزة..المواقف بين قانون الجغرافيا وطموح المشاريع

Publié le par JasmiN

الشروق تكشف خلفيات مواقف الكثيرين... وأسباب صمود غزة وأسرار استهدافها


ملحمة غزة..المواقف بين قانون الجغرافيا وطموح المشاريع



 صلاح الدين أبو منصور ـ سياسي مستقل ـ الخليل/فلسطين

image

إسرائيل كلها..في مرمى صواريخ المقاومة


على وقع صوت التفجيرات والقنابل والصواريخ التي تلف غزة برا وبحرا وجوا تتضح الأمور، كما لم تتضح في أي زمن آخر.. الآن والآن فقط يمكننا ان نجاهر بحقيقة المواقف تجاه غزة وفلسطين التي نسمع دوي صوتها، وان نتقدم للإجابة على تساؤلات تلح على وعي المسلمين والعرب والناس جميعا.

لماذا غزة؟
يتساءل البعض: لماذا غزة هي التي تلاقي هذا الحجم من الاستهداف على مدار أربعة عقود من الزمن على الأقل؟ حتى ان الاحتلال الصهيوني ميزها في التعامل عن بقية الأرض المحتلة في الضفة الغربية!! بل هناك سؤال أكثر استكشافا: لماذا لاقى أبناء غزة على مدار الأربعين سنة الماضية ملاحقات متواصلة من قبل أنظمة الطوق العربية لا تقل عن ملاحقات الأجهزة الأمنية الصهيونية.. في عمان ودمشق والقاهرة تشكلت أقسام في الأمن خاصة بأهل غزة ومتخصصة في فنون تعذيبهم والتضييق عليهم، وكان التعامل معهم بداية على اعتبار انهم مطلوبون ومطاردون ويجب ان يخضعوا للمتابعات الأمنية الصارمة والقاسية؟.
لم تكن أجهزة أمن بلاد الطوق (مخطئة) أو تتصرف دونما حسابات سياسية تخدم توجهات الأنظمة ومصالحها.. ولم يكن التعامل الصهيوني القاسي مع غزة الى درجة الأمنيات بغرقها في البحر الا تأكيدا على فهم خاص وعميق لمسألة غزة.
فهل صدفة أن تكون غزة هي مولدة المشروع الوطنيي الفلسطيني المعاصر بتنظيمات المقاومة الرئيسية جميعا؟ هل صدفة ان تكون فكرة فتح وطلائع حركتها ومجموعاتها الأولى في معظمها من غزة؟ هل صدفة ان تكون حركة حماس وقياداتها الأولى وميلادها غزاويا؟ هل صدفة أن تكون حركة الجهاد الاسلامي وقيادتها الأولى وميلادها غزاويا؟ هل صدفة أن تشعل غزة الانتفاضة الأولى وتستمر بها؟ وان تشعل الانتفاضة الثانية وتستمر بها الى درجة اخراج الجيش الاسرائيلي منها مرغما؟!
هنا ليس محاولة لفهم عبقرية المكان وما يختاره لأهله من مهمات، بل للإجابة على سؤال لماذا هذا الإصرار الجنوني من قبل كل ال أطراف الإقليمية والدولية على تحطيم غزة أو ركوب موجتها..؟
إن هناك شروطا ذاتية وأخرى موضوعية جعلت من هذه الرقعة تعيش حالة تميز مرتبطة بقضايا استراتيجية يصعب حلها، الأمر الذي سيجعلها دوما تحت طائلة الاستهداف، ولعل هذه الحرب الجنونية التي تشن عليها محاولة يظن المتورطون فيها أنها ستكون القاضية لتتخلى غزة عن طبيعتها ووظيفتها.
نبدأ من الحديث عن التوزع السكاني للشعب الفلسطيني كمدخل لكشف السر الجوهري في المسألة الغزاوية، اذ ان التوزع لم يكن فقط مكانيا، بل استتبع ذلك وجود مناخات مختلفة بين مكان وآخر من اماكن التوزع الفلسطيني..

الفلسطينيون في غزة
لم تكن غزة قبل النكبة 1948 الا بوابة جنوبية لفلسطين تم استهدافها كمدخل للغزوات او بوابة للفتوحات كما كانت ميناء مهما من موانئ فلسطين، ورغم عناد تميزت به المدينة عبر كل جولات الصراع التاريخي تولد نتيجة وجودها كنقطة عبور وصراع لاينقطع للمشاريع الامبراطورية.. فلقد تميزت كذلك بأن قدمت للعالم الاسلامي رجالا كبارا من قبيل ابن حجر العسقلاني والإمام الشافعي وغيرهم كثير من رجال الفكر والأدب.. هذه المدينة تحولت بعد النكبة الى أكبر حاضنة في الوطن الفلسطيني للاجئين الذين تم اخراجهم قهرا من مدنهم وبلداتهم، ويمثل اللاجئون الفلسطينيون ما نسبته 80٪ من سكان قطاع غزة جاءوا من بئر السبع وبلداتها ويافا ومحيطها والمجدل وقراها ومن اللد والرملة والقرى المحاذية لغزة.. حكم قطاع غزة من قبل الادارة المصرية ولكن دونما إلحاق، وخضع فلسطينيو القطاع للحكم العسكري المصري محرومين من أي نشاط سياسي مستقل ومعرضين لمراقبة ومتابعة أمنية قاسية.

الفلسطينيون في أراضي 1948
وقسم من الشعب استطاع البقاء داخل العمق الفلسطيني في ظل الكيان العنصري الصهيوني تمارس عليه ابشع عمليات القهر والإذلال المنهجي لسلخه عن انتمائه وهويته وجعله كما لاقيمة له في معركة الوجود المشتعلة.. وبعد مجازر عديدة لم يكن لها أي سبب مباشر مثل كفر قاسم وقبية واللد والرملة وغيرها كثير، وفتح السجون لكل صوت واخضاع الناس العزل لقوانين الحكم العسكري سنوات عديدة يحرمون فيها من ادنى الحقوق الانساني.. بعد هذا تمكن العدو من خلال اجراءات قمعية وأجهزة أمنية من صرف المجموع الفلسطيني هناك بعيدا عن أعمال المقاومة المسلحة وفتح لهم بوابات للعمل السياسي المحكوم بإجراءات عنصرية لجعلهم ديكورا في المشهد السياسي المفتعل، ولم يستطع العدو القضاء على هويتهم الوطنية وانتمائهم الحضاري، وقد بذلت قياداتهم الثقافية والسياسية والاجتماعية جهودا جبارة لتثبيت الهوية والمحافظة عليها ،ونجحت في ذلك نجاحات كبيرة رغم ضراوة الهجمة. الا ان هذا الكم الفلسطيني لم يشكل خطرا راهنا على الأمن الاسرائيلي ولا على المؤسسة الإسرائيلية.

الفلسطينيون في الضفة الغربية
وقسم آخر في الضفة الغربية لنهر الأردن، حيث توجد مدن فلسطين التاريخية القدس والخليل ونابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية وبيت لحم وهي مدن كان لأهلها دور رئيس في الثورات الفلسطينية السابقة قبل النكبة لاسيما القدس والخليل وجنين، ويمثل اللاجئون فيها نسبة محدودة، تمت ادارة هذا القسم من الشعب الفلسطيني بعد نكبة فلسطين في 1948 مباشرة من قبل نظام المملكة الاردنية الهاشمية الذي نشأ مترافقا مع بداية القضية الفلسطينية على ارضية سايكس-بيكو.. واصبح هذا القسم من الشعب والارض بموجب ذلك اردنيا يخضع لبرامج تعليم وتثقيف وتوجيه اردنية تماما حتى سنة 1967، حيث هزيمة النظام العربي الكبرى وسقوط القدس. ولم يكن مسموحا للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية ممارسة أي نشاط سياسي او مقاوم، وكان القمع الأمني يطارده بقسوة، واستطاع النظام الاردني ان ينشئ طبقات اجتماعية بورجوازية ترتبط مصالحها بشكل حيوي بعلاقاتها بالنظام الذي منحها نفوذا وحضورا قويا في الساحة الفلسطينية.

الفلسطينيون شرقي نهر الأردن
قسم آخر، ذلك الذي هاجر اثر النكبة الأولى الى شرق النهر سواء كان من المدن الفلسطينية المعروفة بالضفة او من تلك المدن التي تم اغتصابها من قبل الصهاينة وهم ومن هاجر مؤخرا بعد النكبة الثانية تم تصنيفه باللاجئين. ويمثل الفلسطينيون في الأردن نسبة تزيد على 70٪ من مجموع سكان المملكة. ونتيجة لهذه الحالة المقلقة مارس النظام عبر سنوات طويلة وبأسلوب ممنهج أردنة كاملة في الثقافة والهوية والسياسة للفلسطيينيين، ومن خلال سياسة العصى والجزرة تم صرف الناس عن الانخراط العملي في اشكال المقاومة المسلحة وعززت ازمة النظام الاردني مع المقاومة الفلسطينية في سنة 1970 من قناعات النظام بالتوجه نحو فصل الفلسطينيين عن الانخراط في أي من فصائل المقاومة، وعانى المناضلون الفلسطينيون في الاردن معاناة لا توصف في أقواتهم وحياتهم وحرياتهم، ومع الزمن اصبح من الصعب على حركات المقاومة الفلسطينية ان تتولد في الاردن أو ان يكون لها قاعدة ارتكاز رغم ان الاردن يضم وجود اكبر تجمع فلسطيني.

الفلسطينيون في لبنان وسوريا
قسم آخر هو ذلك الذي هاجر من بلدات ومدن الشمال الفلسطيني من حيفا وعكا والناصرة وصفد الى لبنان وسوريا. في سوريا عاش الفلسطينيون كما يعيش السوريون سراءهم وضراءهم، اذ جعلهم النظام بناء على دعوته القومية على مسافة واحدة، وإن كان لهذا ايجابياته فلقد كان له بلا شك سلبيات تمس حرية الاختيارات والقناعات. انهم لم يحرموا من نشاط سياسي او مقاومة ولكن حسب تصورات الحاكم وضمن اطروحته الايديولوجية والالتزام بخريطته في تصنيف الحلفاء والخصوم في الساحة العربية والدولية، الا انهم بالجملة لم يعانوا قهرهم لانتمائهم ولا صرفا عن قضيتهم وكانت الاشتباكات الحاصلة احيانا بين فصائل المقاومة والنظام في سوريا لا تعني ان هناك برنامجا لإنهاء الانتماء الوطني للفلسطينيين انما تعني محاولات للسيطرة على المرجعية للموقف الفلسطيني. أما في لبنان، حيث حقول الألغام الطائفية، فلقد عانى اللاجئون الفلسطينيون معاناة مضاعفة سياسية وانسانية، فلقد خضعوا في مخيماتهم لحصار رجال الدرك اللبناني الذي يمارس ضدهم كل اساليب القهر والإذلال وتم حرمانهم من اكثر من مائة مهنة. اذ ان التوجس الطائفي كان يطاردهم خوفا من توطينهم في لبنان فيحدثون بذلك تغييرا في التركيب الطائفي لصالح سنة لبنان. الفقر والحرمان والقيود والسجون والقهر، كان هو العنوان الرئيسي لفلسطينيي لبنان ولايزال.
هذه أقسام التوزع الفلسطيني، ومن هنا بالضبط كان تميز قطاع غزة. انه كتلة من اللاجئين، أي اصحاب المصلحة المباشرة في الثورة والمقاومة، والذين لم يمارس عليهم برنامج تغيير الهوية الوطنية او تبني ايديولوجية معينة قهرا او كانتونات ڤيتو. ومن هنا كان قطاع غزة مولدا لكل فصائل المقاومة الفلسطينية في الاربعين سنة الأخيرة، هذا واحد من أهم الأسباب التي تجعلهم يخصون قطاع غزة بالمؤامرة. أما السبب الآخر وهو ان غزة تمثل الرافعة القوية لموضوع حق العودة وهذا هو مربط الفرس لمشاريع التسوية الحالية.
فلئن تمكنوا الى حين من أردنة الفلسطينيين في الأردن وخططوا لبناء عدة مدن، كما هو مطروح في الضفة الغربية لاستيعاب اللاجئين الفلسطينيين في الضفة ويتحركون بدأب لإنهاء مسألة اللاجئين في لبنان بالاتفاق مع الحكومة اللبنانية على اعتبار ان هؤلاء الفلسطينيين بلبنان هم جالية فلسطينية وهم ضيوف خاضعون للقانون اللبناني ووهم سيعودون الى أراضي السلطة الفلسطينية في حال قيام الدولة، ومن لا يريد فليهاجر الى الدول الاسكندنافية او امريكا اللاتينية كما حصل لفلسطينيي العراق. هكذا يكونون قد تخلصوا من معظم اللاجئين وقضية اللاجئين التي تعتبر حجر العثرة امام مشاريع تسوية القضية الفلسطينية، وهنا تأتي مشكلة غزة من جديد.
انهم لن يستطيعوا الاعلان عن اتفاقية التسوية (التاريخية) والتي تم اعدادها من خلال مفاوضات ماراطونية بين المفاوضين الفلسطينيين واسرائيل، فيما تملك غزة السلاح والمقاومة وتصر على حق العودة. ان مشروع التسوية كله يقف عند خطوته الحاسمة والضرورية له المتمثلة بالقضاء على تمرد غزة عن السياق العام ونزع سلاحها وتكسير اياديها وتركيعها واغراقها في همومها ومن ثم الاعلان عن الاتفاقية التاريخية. ومن هنا بالضبط تتكشف ادوار القوى الإقليمية والدولية المشاركة او المتواطئة في مذبحة غزة. اذن سقوط غزة يعني بوضوح سقوط حق العودة ومن ثم اعلان الصلح مع إسرائيل بالتنازل عن حق اللاجئين في العودة الى ديارهم.

طموح المشاريع: ايران و(حزب الله) وتركيا
الثورة الاسلامية في ايران وفلسطين ومعركة غزة 
بلاشك ان ايران رفعت شعار القدس وفلسطين منذ اليوم الأول لانتصار الثورة الإيرانية، ولقد سبق ان كان للثوار الايرانيين علاقات حميمة بالثورة الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي قبل انتصار الثورة الايرانية. وواضح ان الخطاب السياسي والاعلامي الايراني لم يتزعزع في الحفاظ على ثوابت القضية الفلسطينية، وفي الانتفاضة الفلسطينية الثانية قدم الايرانيون مساعدات مالية محدودة لبعض الفصائل الفلسطينة ولازالوا يقدمون، الا ان هذا بلا شك دون الحد الأدنى بالمقارنة بخطابهم السياسي والاعلامي. فإيران لم تقدم اكثر مما قدمت ليبيا او الجزائر او حتى السعودية في اوقات ما. كما ان ايران لم تقدم لفلسطين بضخامة احتياجاتها وتحدياتها جزءا يسيرا مما تقدمه لحزب في طائفة كحزب الله اللبناني. وهنا نقترب اكثر من فهم عميق للعلاقة الايرانية بالموضوع الفلسطيني والغزاوي بوجه خاص.
ان ايران في مواجهة واضحة مع امريكا منذ ان خلعت الثورة الشاه حليف امريكا الاستراتيجي في المنطقة وحليف إسرائيل، وقد فشلت امريكا في اسقاط الثورة ومنذ ذلك الوقت تحاول امريكا أن تحرم إيران من أي دور اقليمي، وتريد ان تحرمها من امتلاك تكنولوجيا الذرة. ولقد سبق أن شنت امريكا بالتحالف مع اصدقائها الإقليميين والدوليين حصارا وحربا على ايران لاهوادة فيها، استطاعت ايران ان تثبت الى حد ما، الا ان هناك جبهة لم تستطع ايران حتى الآن تسجيل انتصارات مضمونة فيها وهي الحصار الطائفي القومي، حيث استخدمت امريكا كل الوسائل لحصار ايران ومنها تغذية النعرات الطائفية والقومية ضدها، وجاءت من ايران اشارات تثير الشبهات حول توجهها داخل الأمة ولم تستطع ان تحسم كثيرا من المسائل المقلقة لجمهور المسلمين والعرب، بل كانت احيانا تتجاهل تساؤلات ملحة من الشارع العربي والاسلامي، اذ ان الصبغة المذهبية فاقعة في تحركها داخل الأمة، وهنا لا ينصب الحديث على مجموعات الحجتية الايرانية التي ترى ان التشيع هو طريق الهداية وان غيره بطلان، حيث تكثر نشاطات التشييع في المغرب العربي والمشرق العربي، مستغلين احوال الناس المعيشية وعواطفهم وفشل مشاريعهم السياسية. لا نلقي بالضوء على هذه الخزعبلات فهي حالات من التخلف تقابلها حالات شبيهة من التخلف عند اهل السنة، انما يتجه الحديث عن سياسات الثورة الايرانية والحكومات الايرانية. هناك شواهد كثيرة تثير الشبهات حول الانحيازات الطائفية في سلوك الاستراتيجية الايرانية ولعل انشاءها ودعمها ورعايتها لحزب شيعي مسلح بلبنان وغض الطرف من قبلها عن ما جرى لفصائل المقاومة السنية بلبنان، حيث تمت تصفيتها تماما أمر لا يمكن تجاوزه. هناك اكثر من شاهد في العراق وافغانستان والخليج العربي والجزيرة العربية.
ان الحصار الأخطر على ايران ليس هو حصار امريكا والغرب، انه الحصار المذهبي والقومي. حصار أهل السنة والعرب الذين لم يستطيعوا بعد اكتشاف ان ايران جزء لا يتجزأ من كيانهم، تحمل نفس همومهم وطموحاتهم، وايران تدرك هذه المسألة تماما. ومن هنا جاءت فرصة اختراق الحصار ان تقف ايران مع المقاومة الفلسطينية العربية السنية التابعة لأقوى حركة سياسة سنية في العالم، وهذا من شأنه ان يعطف قلوب قسم كبير من الفلسطينيين والعرب وأهل السنة على ايران، الا ان الدعم الايراني لايتجاوز حدوده الدنيا. فلم تتقدم ايران بحمل العبء عن حكومة حماس في سنواتها الأولى، حيث قطع العالم كله عنها أي مدد مادي وكانت ايران قادرة على تغطية العجز واخراج حماس من ورطتها. ان الدعم الاعلامي الكبير من ايران للمقاومة الفلسطينية لاينسجم مع حجم الدعم المادي المحدود والبسيط. وان ايران تستلم مقابل ذلك ثمنا قيما انه بلا شك تعاطف عربي وسني مع موقفها، ولاتنسى جهات عديدة في ايران ان تصنع لها امتدادات في فلسطين لاسيما في غزة قد يكون لبعضها مهمات ثقافية تبشيرية وللأخرى مهمات أمنية حيث الهوس الايراني بالأمن!!
ان اشتعال جبهة غزة امر ضروري لإيران كي تدخل من خلالها الى مجال الأمة وكسر الحصار عنها واذكائه مسألة حيوية لإشعال بؤر توتر تصرف النظر عن ملفها النووي، ولكن ليس الى الدرجة التي تنجح فيها حكومة تنتمي لمشروع اسلامي كبير في المنطقة العربية، اذ ان حركة الإخوان المسلمين تعتبر الى حد كبير جدار متين لتحصين العرب والمسلمين من الاختراقات العلمانية والمذهبية سواء.

حزب الله اللبناني
لقد قاتل حزب الله اللبناني إسرائيل واستطاع ان يلقن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية درسا قاسيا وكان للدعم الإيراني غير المحدود في تسليحه وتجهيزة الدور الكبير في قيامه بتلك المهمة العظيمة، الا ان الملفت الى مواقف الحزب من الفلسطينيين لا يفرقه كثيرا عن مواقف بقية القوى الطائفية في مسألة حق الفلسطينيين في المقاومة من جنوب لبنان. كما ان رفض الحزب لتوطين الفلسطينيين اللاجئين في لبنان لا يأتي من باب الحرص عليهم، بل من باب الخوف على التوازن الطائفي، اذ ان توطين الفلسطينيين يعني تلقائيا توسع دائرة السنة بلبنان. فلو كان الأمر حقا حرصا على الفلسطينيين لكانت هناك برامج لإنقاذهم من المأساة التي يعانونها في المخيمات اللبنانية، حيث تتعذر الحياة للبهائم، هذا فضلا عن سماحهم للمقاتلين الفلسطينيين بالتوجه للاشتباك مع العدو. حزب الله ليس فقط حاجزا دون ان يكون لأهل السنة في لبنان قوة عسكرية مقاتلة، بل ايضا حاجز ضد ان يكون للفلسطينيين دور في مواجهة إسرائيل او على الأقل هذا هو المراد ان يكون من قبل قوى اقليمية.
ان تصريحات السيد نصرالله والاعلام التابع له في لبنان يتجه نحو دفع الفلسطينيين في غزة الى معركة كربلائية!! تكثر حولها النائحات وتكون فرصة لأن يكون هناك دور لحزب الله اللبناني في المنطقة. لايختلف من الناحية العملية حزب الله عن كثير من القوى والأحزاب العربية المحلية، بل قد يكون بعضها اكثر تقدما. ان المساعدة الحقيقية لغزة ان تفتح جبهات قتال اخرى واذا لم يستطع الحزب ذلك فلا اقل من ان لايتصدى للفلسطينيين الراغبين في ذلك من جنوب لبنان. ومن هنا تأتي ضرورة أن يفهم الفلسطينيون أن تحديهم في غزة ليس من شاكلة ما يواجه حزب الله في لبنان، وعليهم ان يرفضوا التشبيه، لأن في ذلك مقتلهم.
ان الحديث عن ايران وحزب الله يكشف الى أي مدى نحن نرسف في المشاريع الضيقة بحسابات مذهبية واقليمية مع كل التقدير للدعم الاعلامي والسياسي الايراني في القضية الفلسطينية.

تركيا والبحث عن دور
تتحرك تركيا مدفوعة بالبحث عن دور اقليمي ودولي، ولم يغادرها الإحساس بضرورة ان تمتلك ادوات ذلك الدور. ولم يكن سقوط الخلافة العثمانية وضياع سلطانها قادرا ان يبعد الأتراك عن البحث عن دور لهم سواء كان ذلك في التوجه غربا، حيث محاولاتهم الدءوبة لدخول الاتحاد الاوروبي او الدخول على خط قضايا المنطقة العربية.
تتحرك السياسة التركية الآن لتحديد دورها من تقاطع كبير بين مصالحها ومصالح امريكا في المنطقة، فالصراع التاريخي بين الأتراك والفرس استمر لعدة قرون، واستطاع الاسلام إخماد ناره، لكن في نهايات الدورة الحضارية الاسلامية كانت معارك العثمانيين مع الصفويين الفرس شرسة ومعقدة تداخل فيها القومي بالمذهبي.
ان تركيا بقيادتها الحالية وكامتداد تاريخي للثقافة العثمانية بشكل ما لن تكون سعيدة وهي ترى تمدد ايران في المشرق العربي ومحاولة قيامها بدور في قضايا المنطقة أكبر من حجمها. ومن هنا بالضبط جاء لالتقاء بين غيرة تركيا وحساسيتها من جهة والموقف الأمريكي من تمدد ايران وتنامي قوتها. من هنا ايضا تلعب تركيا دورا معاكسا لدورر ايران في الملف الفلسطيني والملف السوري، وتكون تركيا قد استطاعت الى حد كبير تقريب وجهات النظر بين الموقفين السوري والاسرائيلي من التسوية وظنت تركيا انها مقابل ان تضع هوة بين الموقف الايراني والسوري وتقريب الموقف السوري من التسوية يكفي منحها دورا في الملف الفلسطيني وغزة بالذات، الأمر الذي يغريها حاليا بأن تقترح القيام بدور الاشراف على معابر قطاع غزة كلها.
هكذا تتضح الأدوار ومصالحها.. وغزة وحدها تقاتل الآن لكي لا تضيع حقوق الشعب الفلسطيني في العودة، ولكي لا تظل فلسطين محصورة في الضفة الغربية وقطاع غزة.. غزة وحدها تقاتل لكي تثبت للعرب ان هذا العدو هزيل وضعيف، وانه لابد من رحيله وتفكيك كيانه العنصري لتنتهي حقبة الشر والعنصرية المجرمة.
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article